تعزز مصر وجودها البحري عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر قرب مضيق باب المندب، في ظل تصاعد التهديدات التي تستهدف حركة الملاحة، وذلك عقب الهجوم بطائرة مسيّرة على ميناء دمياط في 29 يوليو. ويرى عمرو إمام، الكاتب المتخصص في الشأن المصري لدى «العربي الجديد»، أن القاهرة تتجه إلى تشديد الإجراءات الأمنية حول موانئها وممراتها البحرية الحيوية، مع تحول البحر الأحمر سريعًا إلى إحدى أكثر بؤر التوتر اشتعالًا في المنطقة.
وأفاد العربي الجديد بأن البحرية المصرية دفعت بفرقاطات وطرادات حديثة إلى المنطقة، بالتزامن مع تصاعد تهديدات جماعة الحوثيين في اليمن لحركة الملاحة البحرية. وجاء ذلك بعد هجوم بطائرة مسيّرة استهدف في 29 يوليو سفينة أمريكية لإعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال كانت راسية في ميناء دمياط على البحر المتوسط، ما أدى إلى اندلاع حريق امتد إلى ناقلة يونانية قريبة لتخزين الغاز.
وأثار هجوم دمياط مخاوف لدى المسؤولين المصريين بشأن أمن الموانئ والممرات البحرية المصرية، في وقت يتحول فيه البحر الأحمر إلى نقطة اشتعال رئيسية. وأعلنت جماعة الحوثيين المدعومة من إيران فرض حظر على الموانئ السعودية، مهددة بمهاجمة السفن التي تصل إليها، كما نفذت هجمات متكررة على ناقلات نفط سعودية وسفن أخرى تدخل تلك الموانئ أو تغادرها.
مصر تشدد إجراءات تأمين الموانئ والممرات البحرية
يتوقع محللون أمنيون مصريون أن يدفع هجوم 29 يوليو على ميناء دمياط القاهرة إلى تشديد الإجراءات الأمنية حول موانئها وخطوط الملاحة الحيوية، ولا سيما البحر الأحمر.
وقال اللواء نصر سالم، القائد السابق لوحدة الاستطلاع في الجيش المصري، لـ«العربي الجديد»، إن مصر رفعت بالفعل مستوى الإجراءات الأمنية في هذه المناطق، مشيرًا إلى أن القاهرة أجرت مراجعة شاملة لمنظومتها الأمنية عقب هجوم دمياط.
وأضاف أن طرق نقل الطاقة تواجه تهديدات غير مسبوقة، في ظل اتساع نطاق التصعيد الإقليمي المرتبط بالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وبدأت السلطات المصرية تحقيقًا في الهجوم، متعهدة باتخاذ إجراءات لحماية الأمن والمصالح الوطنية. ولم توجه القاهرة حتى الآن اتهامًا رسميًا إلى أي طرف بالوقوف وراء هجوم المسيّرة على ميناء دمياط، كما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنه، فيما نفت إيران وجماعة الحوثيين ضلوعهما في الهجوم.
دمياط ومسارات الطاقة البديلة تعززان أهمية مصر
يتزامن الهجوم مع تنامي أهمية مصر باعتبارها مسارًا بديلًا لصادرات النفط الخليجية، ولا سيما النفط السعودي.
وزادت الرياض اعتمادها على خط أنابيب شرق-غرب لنقل النفط إلى الأسواق العالمية، في ظل الاضطرابات التي يشهدها مضيق هرمز وتصاعد تهديدات الحوثيين في مضيق باب المندب.
ويمتد خط الأنابيب لأكثر من 1200 كيلومتر من المنطقة الشرقية في السعودية إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر الغربي، وينقل ملايين البراميل من النفط الخام السعودي.
وعند وصول النفط إلى ينبع، يُحمّل على ناقلات تتجه إلى ميناء العين السخنة على الساحل المصري للبحر الأحمر، حيث يُضخ عبر خط أنابيب سوميد، ثم ينتقل إلى سيدي كرير على الساحل المصري للبحر المتوسط، على مسافة تقارب 240 كيلومترًا غرب دمياط، قبل شحنه إلى الأسواق العالمية.
ويبدو أن استهداف دمياط يستهدف كذلك طموحات مصر للتحول إلى مسار بديل رئيسي لنقل نفط دول الخليج، إلى جانب ترسيخ موقعها مركزًا للطاقة في شرق البحر المتوسط، وفقًا لما يراه خبراء نقل عنهم «العربي الجديد».
القاهرة تتحرك بحذر لتجنب الانخراط في الصراع
قد يستغرق التحقيق المصري في هجوم 29 يوليو على ميناء دمياط وقتًا قبل الوصول إلى نتائجه، خصوصًا في ظل حرص القاهرة الواضح على عدم توجيه الاتهام إلى أي طرف من دون أدلة ملموسة.
وفي الأول من أغسطس، دعت وزارة الخارجية المصرية وسائل الإعلام المحلية والأجنبية إلى الالتزام بالحقائق عند تناول الحادث.
ولم يبدِ المسؤولون المصريون، بمن فيهم الرئيس ووزير الخارجية، اهتمامًا علنيًا واسعًا بالهجوم منذ ذلك الحين، وربما يهدف ذلك إلى منح المحققين مساحة للعمل بعيدًا عن الضغوط.
وفي الثاني من أغسطس، التقى رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي رئيس الوزراء ووزير النقل لبحث تطوير الموانئ المصرية. وبدا السيسي جادًا بصورة لافتة خلال الاجتماع، ما دفع بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى الربط بين ملامح الرئيس وتداعيات حادث دمياط.
وبعد يوم واحد من هجوم دمياط، انضمت مصر إلى تحالف بحري يضم 14 دولة، شكلته السعودية بقيادتها بهدف حماية حركة الملاحة في البحر الأحمر وعبر مضيق باب المندب.
ولا يزال الدور المصري المحدد داخل هذا التحالف غير واضح، إلا أن مشاركة القاهرة تعكس، وفقًا لمحللين، تصاعد مخاوفها بشأن أمن البحر الأحمر.
وتتزامن هذه المخاوف مع مساعي إيران لتوسيع نطاق الصراع إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب، في محاولة لرفع الكلفة الاقتصادية للحملة الأمريكية عليها.
وقال أحمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، إن إيران تحاول بصورة «مستمرة» توسيع نطاق التصعيد الحالي.
وأوضح يوسف لـ«العربي الجديد» أن الإيرانيين يسعون إلى خنق مسارات الطاقة البديلة الناشئة، بهدف دفع القوى الإقليمية والدولية إلى الضغط على الولايات المتحدة لوقف هجماتها وحصارها البحري على إيران.
خسائر قناة السويس تضاعف حساسية القاهرة
ترتبط المخاوف المصرية من تصاعد تهديدات الملاحة في البحر الأحمر بالمصالح الاقتصادية الحيوية التي تمتلكها القاهرة في المنطقة.
وألحقت هجمات الحوثيين على حركة الملاحة في البحر الأحمر خلال الحرب الإسرائيلية على غزة في عامي 2024 و2025 خسائر كبيرة بالاقتصاد المصري، إذ تكبدت قناة السويس، التي تشكل مصدرًا حيويًا للعملة الأجنبية للخزانة المصرية، خسائر تجاوزت 10 مليارات دولار.
ويرى الخبراء أن استهداف دمياط قد يكون هدفه كذلك الإضرار بطموحات مصر للتحول إلى مسار بديل رئيسي لنقل نفط دول الخليج، فضلًا عن مشروعها لتكريس موقعها مركزًا إقليميًا للطاقة في شرق المتوسط.
ومع تعزيز انتشارها عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، تستفيد مصر من أصولها العسكرية المنتشرة في المنطقة، ومنها قاعدة عسكرية تقع على ساحلها الجنوبي الشرقي للبحر الأحمر.
وافتتحت مصر قاعدة برنيس في يناير 2020، في ظل تصاعد تهديدات الحوثيين لحركة الملاحة في البحر الأحمر.
وأثارت بعض وسائل الإعلام تساؤلات حول الانتشار البحري المصري المعلن، وما إذا كان ينذر بتحرك عسكري مصري في المنطقة.
لكن خبراء أمنيين في القاهرة وصفوا هذه التحركات بأنها «احترازية» فحسب، مستبعدين فكرة إقدام مصر على عمل عسكري من دون تعرضها لتهديد مباشر.
وقال اللواء نصر سالم إن أي تحرك عسكري مصري في البحر الأحمر سيتوقف على طبيعة التهديد الذي سيواجه الأمن القومي المصري.
وأضاف أن القيادة المصرية تحرص في الوقت نفسه على تجنب الانخراط في دائرة العنف الحالية، وتفضل الوقاية على التدخل.
وبينما تراقب القاهرة تطورات البحر الأحمر ومضيق باب المندب، تزداد حساسية موقعها الاستراتيجي مع ارتباط أمن الملاحة بأمن قناة السويس، ومسارات الطاقة البديلة، وحماية الموانئ المصرية. ويشير هذا التحرك البحري إلى أن مصر تسعى إلى رفع مستوى الردع والحماية دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد توسع نطاق الصراع الإقليمي.
https://www.newarab.com/news/egypt-ramps-red-sea-naval-presence-amid-damietta-fallout

